المركز الثقافي الروسي وأرغن رأس السنة
قدّم المركز الثقافي الروسي هدية رأس السنة حفلةً على الأرغن في كنيسة القديس أنطوني ( دير اللاتين ) بدمشق . عزف فيها الأستاذ يفغيني أفرامينكو ، أستاذ الأرغن في المعهد العالي للموسيقى والحائز على العديد من الجوائز الدولية ، عدة مقطوعات موسيقية . عزف تسع مقطوعات موسيقية مؤلفة خصيصاً لهذه الآلة وكان كلّ المؤلفين من الروس : غلينكا وأودويفسكي وغلازونوف وديانوف الخ.... تمتاز آلة الأرغن بغنى مساحاتها الموسيقية والهارمونية وبتنوع طابع الصوت فيها فهي تستطيع أن تقلّد كل الآلات الموسيقية ، الوترية منها أو النحاسية أو الخشبية أو البيانو ... ولهذا السبب لقبت هذه الآلة بملكة الآلات الموسيقية . بالرغم من أن الأرغن كآلة يرتبط كثيراً بالكنيسة ولكنه قد تخطاها وخرج إلى كل القاعات الموسيقية والحفلات الموسيقية إذ يندر أن توجد قاعة موسيقية في العالم لا تضم تحت سقفها آلة الأرغن الغنية بالأصوات والثرّة بطبائع كل الآلات الموسيقية .
هذا وكثير من المؤلفين الموسيقيين العالميين ألفوا مقطوعات موسيقية شهيرة لهذه الآلة ، منفردة أو مشتركة مع الفرق السيمفونية أو فرق الحجرة . لهذه الحقائق مغزى هام وإنساني وهو أن الموسيقى عموماً ، والأرغن خصوصاً ، قد تجاوزت وتتجاوز كل حدود اللغات والثقافات والأديان وغيرها من حواجز تفصل بين شعوب الأرض وقبائلها ولغاتها وخلفياتها الثقافية الخ... آلة الأرغن ، بما لها من مسحة صوتية سماوية تستطيع أن تنفذ بسهولة لقلوب كل البشر المرهفي الحس والمتذوقين لجماليات الصوت والنغم . إنها ، والحق يقال ، ترمز وتهدف إلى السلام والمحبة والوئام والتفاهم والتراحم ما بين الأمم ، ولهذا فإن لها دوراً رئيساً في تحقيق حياة أفضل للبشرية . لا يمكن لأي إنسان يملك قدراً بسيطاً من الحس الفني والجمالي إلا أن يتأثر تأثراً عميقاً بموسيقى هذه الآلة السماوية القلب واللسان . فموسيقى الأرغن سرعان ما تحلّق بالمستمع إلى أجواء علوية تهيمن عليها كل السمات الإنسانية السليمة والصحية من حب وتآخٍ وتسامح وتراحم ، أياً كانت خلفية ذلك الإنسان وأياً كانت انتماءاته التراثية . لهذا سارعت إلى حضور هذه الأمسية الموسيقية في كنيسة اللاتين بدمشق وقد كانت حقاً أفضل وأمتع وأسعد لحظات نودع فيها هذا العام المضطرب والمأساوي ونستقبل فيه عاماً جديداً نرجو ونأمل أن يكون أفضل مما سبقه . بعض المقطوعات فيها صفاء وتسبيح ومناجاة سماوية خالصة لا تحتاج لأية نصوص أو كلمات بل إنها مجرد أنغام ملائكية تتابع وتتلاحم وتتلاحق في تركيبات سحرية الأثر والفعل في النفس حتى أن المستمع يشعر بأن جسمه قد خفّ وطار في الفضاء الفسيح حيث لا ضجيج ولا أحقاد ولا ضغائن ولا آثام بل مجرد سعادة روحية مطلقة .
بعض المقطوعات الأخرى مثل "مقدمة وفوغة" لغلازونوف فيها عنفوان وسموّ وتفاؤل وقوة ولكنها ليست قوة الشر والقتل وسفك الدماء بل قوة النفس البشرية النقية الطاهرة . أيضاً مقطوعة "تاريفيرديف" فيها بداية من أعماق الأصوات الموسيقية الثخينة تعبّر عن الخوف والتوجس والرهبة ثم لا تلبث تلك الأنغام أن تتصاعد وتتعالى حتى تنتهي بتظاهرة صوتية عارمة ترنو وتبلغ ذرى الإحساس الإنساني بالتعالي والتسامي والهدوء الروحي والنفسي . مضت ساعة من الأداء الرائع على هذه الآلة الرائعة وكأنها دقائق معدودة ، وقد كانت بلسماً للمستمعين .
للمركز الثقافي الروسي وللفنان أفرامينكو ولسدنة كنيسة اللاتين جزيل الشكر على هذه الأمسية الرائعة والبلسمية فقد كان فيها شفاء لمتاعب العام المنصرم ولمآسيه ، وكان فيها دفع ودعم للنفوس لما هو آتٍ في العام الجديد . لا يمكنني أن أنهي كلماتي إلا بعد أن أعبر عن عميق أساي وحزني وأسفي العميق عندما أذكر أن في دار الأسد للثقافة والفنون آلة أرغن رائعة كلفت البلد والشعب مبلغ خمسين مليون ليرة سورية حسبما أذكر ومع ذلك فهو حبيسٌ حُكم عليه بالموت صمتاً وصدئا دون أن يتمكن من أداء رسالته الفنية الإنسانية بأن يصدح ما بين الحين والآخر ويمتع أسماع محبي الموسيقى وأحاسيسهم في فترات متقاربة . مهما سمحت لنفسي بأن أعبر عما بها من مرارة وخيبة أمل فهي لن تستطيع أن تفصح عن التعبير الحقيقي . أيها المسئولون عن الفن والثقافة في البلد خففوا الوطء عن هذه الآلة العظيمة المسجونة والمُكمّمة الأنابيب ! فالأرغن يتألف من عدد كبير من الأنابيب النحاسية التي تصدح كلما نُفخ فيها . أطلقوا حريتها لتعلو أصواتها في أجواء دمشق وسماواتها !!! هل سنستمع لأرغن سوريا في العام القادم أم في العقد القادم ؟ أم في القرن القادم ؟؟؟ أم لا يا ترى ؟؟؟ الله أعلم .
د صادق فرعون
spharmd2@scs-net.org














