احتفالات المركز الثقافي الروسي بالأعياد

بمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة قدّم المركز الثقافي الروسي مجموعة من الأمسيات الموسيقية الرائعة ، قدّمها فنانون روس مقيمون وقادمون خصيصا لهذه المناسبة وأساتذة في المعهد العالي للموسيقى بدمشق . في الأمسية الأولى قدّم عازف الترومبيت فاليري أوتكين أربع مقطوعات بمرافقة البيانو وكان أداؤه متألقاً وفي غاية الإتقان والروعة . أما عازفة البيانو كاتيرينا سينيغينا فقدمت مقطوعتين لبيتهوفن ولرخمانينوف وكان أداؤها جميلاً ومعبّراً . أما مغنية السوبرانو كاتيرينا كورساكوفا فقد غنت آريا لهندل من أوبرا "رينالدو" ولبيلليني من أوبرا "سونامبولا – الماشية نوماً" وأغنية روزينا من أوبرا "حلاق اشبيلية" لروسيني وأغنية شعبية روسية . كذلك عزف الأستاذ فلاديمير كراسنوف على الترومبون مقطوعتين بمرافقة البيانو وكان أداؤه في غاية الجمالية اللحنية والإتقان .

اختتمت الأمسية الأولى بأداء مقطوعة على الترومبيت مع البيانو من تأليف رخمانينوف بعنوان "مياه ربيعية" وكانت مسك الختام . قدمت المشرفة على الأمسية قرنفلات حمر للموسيقيين الضيوف وهكذا انتهت أول أمسية من هذه الحلقة المؤلفة من سبع حفلات . في الأمسية الثانية قدمت السيدة غالينا خالدييفا ، ميزو – سوبرانو والسيد مارك رايدي ، تينور ، بمرافقة السيدة أولغا بولون على البيانو ، أمسية رائعة من أغاني الأوبرا . في الأمسية الثالثة قدمت مجموعة من أساتذة المعهد العالي مع خريجيه أمسية متنوعة شاركت فيها مارينا أنيسيموقا ، كمان ، كيريل أنيسيموف ، فيولا ، نائل الحلبي ، ترومبيت ، مكسيم أبو دياب وبيير خوري ، باص ، يفيغيني لوغونوف ، كمان ، باسل ساره ، هارب ، مياس يماني ، كمان ، فلاديمير كراسنوف ، ترومبون ، لينا شاماميان ، سوبرانو ، والأساتذة ميخائيل كانشوروف ويفيغيني أفرامينكو وناتاليا كاتشوروفا ونيليا جورافليوفا مرافقة بيانو . كانت أمسية رائعة تألق فيها الجميع وكانت مهداة لذكرى الأستاذ صلحي الوادي (1934-2007) عميد المعهد العالي وقائد الفرقة السيمفونية والذي توفي في نهاية أيلول الماضي .

أما الأمسية الرابعة فكانت من نصيب الثلاثي الوتري المؤلف من السيدة أوليانا غوليكوفا ، كمان ، وأثيل حمدان ، تشيلو والسيدة تاتيانا باطيريفا ، بيانو . قدّم هذا الثلاثي الرائع مؤلفين الأول ثلاثي وتري من تأليف رخمانينوف ويمتاز بشاعرية أنغامه وبنهايته الحزينة وقد أدى الموسيقيون الثلاثة هذا العمل بشكل ممتاز وبعاطفة قوية . صفق الجمهور للعازفين فعزفوا ثلاثي من تأليف مندلسون ويتألف من أربع حركات ويتميز بشاعرية ألحانه وبروح متفائلة وسعيدة وكانت نهاية هذا الثلاثي حماسية أثارت تصفيقاً حاراً من الجمهور فأعادوا عزف خاتمته الحماسية . خصصت الأمسية الخامسة للأستاذ يفغيني لوغينوف وطلابه . الأستاذ لوغينوف هو أستاذ آلة الكمان في المعهد العالي وهم من أفضلهم ومن أكثرهم شعبية . اشترك الطلاب والطالبات: رهف عباس وأنوش سفريان وغطفان إدناوي وباتيل خاجريان وسلام خورشيد وماهر زروف ودانيا الكبير ومهند الحسن وجورج طنوس وعلي مورلي ووليد خطبا وشعلان الحموي ورزان قصار . رافق هذه الكوكبة من الفنانين الشباب الأستاذ ميخائيل كاتشوروف على البيانو . افتتح الأمسيةَ أستاذُهم بعزف مقطوعتين الأولى لباخ-غونو والثانية لفينياوسكي أظهرتا تفوق المعلم في عالم الأداء الموسيقي ، ثم تتالى الطلاب في مقطوعات مفردة للعديد من المؤلفين مثل باخ وباغانيني وتشايكوفسكي وكرايسلر ورخمانينوف . تميّز الكلّ في أدائهم حتى أنه يصعب على المستمع ، حتى المدقق ، أن يصل إلى حُكم عادل فيمن كان في الذروة ، ولكي لا أتهم نفسي بالتحيّز لأيٍ منهم أكتفي بذكر أربعة متميزين : علي مورلي لأنه كان يعايش كل نوطة أو نغم في مقطوعتيه وشعلان الحموي لأداء معبّر وصوت كمان جميل ووليد خطبا لأداء متقن وعفوي ودون أي جهد و رزان قصار لأداء أنيق ومتقن وهادئ . صفق الجمهور لكل المشاركين ولكن ذروة الأمسية كانت عندما عزف الجميع مع أستاذهم ثلاث مقطوعات : فانتازيا على لحنين عربيين ثم شاكونا لفيتالي وأخيراً "أغنيات غجرية لسارازات . كان هذا العزف الجماعي في غاية الروعة وذلك لجمالية أصوات الآلات وانسجامها وللتعبير العاطفي والتجاوب الروحي الذي كان يبدو واضحاً في التناغم ما بين الأستاذ المعلم وبين الطلاب النجباء والمحبين لمعلمهم . لقد كانت شاكونة فيتالي ذروة في الأداء الموسيقي وفي التعبير الأدائي عن سعادة الموسيقي عندما يؤدي لحناً معبراً وثرياً بالمشاعر الإنسانية . لقد كانت لحظات سحرية أخذت بمجامع مشاعر الحضور المالئ للقاعة فاندفعوا في تصفيق حادٍ وحماسي يعبرون عن سعادتهم بهذه الأمسية الرائعة . بالرغم من أن هذه التظاهرة الموسيقية لم تنته بعد ولكنني أسمح لنفسي بأن أقول وبصوت عالٍ أن هذه الأمسية شكلت ذروة هذه الاحتفالية الموسومة باسم " شفق القطب الشمالي" وأنها تشكل صرخة عالية ومعبّرة عن رغبة البشرية جمعاء في أن يتعافى هذا الكوكب الأرضي من كل ما أصابه ويصيبه من قتل ومجازر جماعية ومن محاولات استعباد للشعوب ومن استباحة لكرامة الإنسان وللحضارات الإنسانية ، تليدها وحديثها .

هذه التظاهرة الموسيقية تريد أن تقول أن من واجب كل شعوب العالم وفي مقدمتها الشعب الأمريكي المسئول عن كل مآسي الإنسانية منذ ما يزيد عن قرنين من الزمن : بدءاً بإبادة شعوب الهنود الحمر السكان الأصليين للقارة الأمريكية والتي أباد منها أجداد المحافظين الجدد مئة وعشرين مليون إنسان ، لا لذنب اقترفوه ، بل لمجرد أن المستعمرين الجدد صمموا على السطو على العالم الجديد بعد تنظيفه من سكانه الأصليين . إنها أكبر مجزرة في تاريخ الإنسانية منذ أيامها الأولى . يأتي بعدها قنبلتا هيروشيما وناغازاكي وبعدها مجازر العراق وأفغانستان ودعم المستعمرين الجدد الذين يريدون تكرار ما اقترفه الرواد الأمريكان الأوائل بتفريغ فلسطين قلب العروبة من سكانها بالمجازر والقتل الجماعي والإرهاب والتجويع .

لقد آن الأوان أن تتخلص الإنسانية من كل المجرمين الآثمين بحق الشعوب ولعلّ الموسيقى العظيمة : موسيقى هايدن وموتسارت ، باخ وبيتهوفن ، بروكنر وماهلر وغيرهم من عظماء المؤلفين تشفي هذه المخلوقات المصابة بعصاب هوس سفك الدماء البشرية ... الأمل كبير في أن تقف كل شعوب الأرض قلباً واحداً في وجه هذا التنين الذي بزّ هولاكو وجنكيزخان وكل قتلة التاريخ الإنساني حتى يرعوي أو تقلّم مخالبه .

للعام الجديد نتمنى الخير لكل شعوب الأرض وللمركز الثقافي الروسي أطيب الشكر على هذه التظاهرة الفنية الرائعة وإلى أساتذة المعهد العالي للموسيقى أطيب الشكر على كل ما بذلوه ويبذلوه من جهد وتفانٍ في سبيل خلق أجيال من الشبيبة التي تحب الموسيقى وتستمتع بأدائها لكي تعمّ المحبة والسلام على وجه هذه البسيطة . آمين .

د صادق فرعون