أمسية موسيقية بمناسبة الذكرى الخمسين للاتحاد الأوروبي
بمناسبة مرور خمسين عاماً على إنشاء الاتحاد الأوروبي ، قدّم كل من رشا رزق ، سوبرانو ، وغزوان زركلي ، بيانو ، أمسية موسيقية رائعة في قاعة كلية الفنون الجميلة لجامعة دمشق .
امتلأت القاعة بمحبي الموسيقا وبالعديد من سفراء الاتحاد الأوروبي . ألقى السفير الألماني كلمة ترحيب بلغة عربية رفيعة يُغبط عليها ذكر فيها لمحة عن الاتحاد الأوروبي الذي بلغ عدد أعضائه بحسب الأعلام المرفوعة ستاً وعشرين دولة تتكلم ما يزيد عن العشرين لغة ، ومع ذلك ،أو برغم ذلك ،فقد وجدوا إلى الاتحاد سبيلا ، بينما مثيلها من الدول التي تتكلم لغة الضاد وتشترك بتراث وتاريخ واحد لم تعرف حتى الآن إلا التناحر والمهاترات ! غني عن الذكر أن رشا هي واحدة من أفضل خريجي المعهد العالي وكذلك غزوان وقد قدما أمسية موسيقية رائعة تتناسب مع أهمية المناسبة . في البدء عزف غزوان على البيانو مجموعة من المقطوعات القصيرة من تأليف روبيرت شومان بعنوان "الكرنفال" وهي من أجمل وأشهر ما ألفه شومان في هذا الصنف من الأعمال . لقد أدى الأستاذ غزوان هذا المؤلف ببراعة وإتقان فائقين وأمتع المستمعين الذين أعربوا عن سعادتهم بتصفيق حماسي . بعدها ظهرت رشا وغنت أربع أغان من تأليف غوستاف ماهلر بعنوان " أغاني أجير متنقّل" يعبّر فيها ماهلر بعاطفة قوية وحسٍ درامي مؤثر مشاعر شابٍ مُحبٍ وهو يرى حبيبته تُزفّ إلى إنسان غيره . يحكي عن أحزانه وبكائه لفقد حبيبه ، ثم يتحدث عن الحقل والعشب المغطى بالندى وكيف أن الطبيعة قد منحته السعادة والرضا ، ثم يعود فيحكي عن السكين الملتهبة التي تخترق صدره وفي الختام يصف زرقة عين الحبيبة الغالية وجمال شجرة الزيزفون وكيف أن كل شيء صار حسناً من جديد كما كان ، الجسد والألم ، الدنيا والحلم . هذه الباقة من الأغاني تعبّر أدق تعبير عن كل ما يختلج في قلب المُحبّ الذي فقد حبّه ، وماهلر من أروع المؤلفين الموسيقيين الذين عبروا عن أعمق هذه المشاعر الإنسانية المأساوية .
لقد أدت رشا أغاني ماهلر بنجاح بالغ فقد كان صوتها ثرّ العاطفة والتعبير وقد صفق لهما الجمهور بحماس كبير . بعد الاستراحة عزف غزوان "الرابسودي الهنغارية السادسة" من تأليف فرانز ليست وهو علم من أعلام الموسيقا في القرن التاسع عشر ومقطوعته تعبّر عن كل العنفوان والعواطف الجياشة التي تمور في صدر هذا الشعب العريق . صفق الجمهور لغزوان فقد كان عزفه غاية في الإتقان والتعبير . انتهت الأمسية بغناء "أربع أغاني أخيرة" من تأليف ريتشارد شتراوس . تعبّر هذه الأغاني أيضاً عن الحب والمشاعر الإنسانية المتضاربة وعن الربيع وعن الليل والنوم وكأنه السبات الأخير في حياة إنسان . بالرغم من مأساوية هذه الأشعار ولكن معالجتها من قبل شتراوس الألماني التيوتوني تختلف عن زميله النمساوي الجنوبي الذي يقطر عاطفة وحزنا واستسلاما لليأس . شتراوس هنا هو ذلك الصقر المحلّق في الأعالي والذي لا تهزه كل المآسي ولا تنكّس جناحيه . لقد أمضينا لحظات مسحورة مع صوت رشا القوي والمعبّر والثرّ بالعواطف الإنسانية الرائعة .
صفق الجمهور طويلا لرشا ولغزوان وقدمت لهما الورود وهكذا انتهت أمسية من أجمل الأمسيات الموسيقية التي نتمنى أن تتكرر دون حاجة لأن ننتظر أية مناسبات سنوية . للموسقيين الفنانين وللاتحاد الأوروبي ولكلية الفنون الجميلة أطيب الشكر على أمسية موسيقية رائعة .
د صادق فرعون
تشرين العدد 9835
الاثنين 2/4/2007














