شادن اليافي تعزف في دار الأسد

قدمت وزارة الثقافة مع الهيئة العامة لدار الأسد للثقافة والفنون عازفة البيانو السورية المتألقة شادن اليافي في أمسية عزف منفرد على البيانو على مسرح الدراما . من الجدير أن نذكر أن الآنسة شادن كانت قد درست البيانو في المعهد العالي للموسيقا وتخرجت منه ثم درّست فيه وكانت قد عزفت مع الفرقة الوطنية السيمفونية عدة مرات . بعد ذلك رحلت إلى بلاد العم سام حيث نالت شهادة الدكتوراه في الموسيقا من جامعة بوسطن وحيث منحتها الهيئة التدريسية جائزة العميد نظراً لتفوقها الأكاديمي وعملت أستاذة للموسيقا في جامعتي تافتس وبوسطن ومعهد بروكلين .

اشتملت أمسيتها في نصفها الأول على عملين لبيتهوفن : لحن وست تنويعات مصنف رقم 24 . هذا المؤلف من أوائل أعمال بيتهوفن للبيانو ومع ذلك يظهر فيه واضحاً تصميمه على اختراق المنوالية التي سار عليها أسلافه وعلى خلق أجواء مبتكرة وجديدة في عالم التعبير الموسيقي . تتأرجح أنغامه بين القوي البطولي والمتفائل وبين المتأمل والسابح في عوالم الفن . لقد أدت الآنسة شادن عمل بيتهوفن بإتقان يستحق كل تقدير ومديح وكان صوت البيانو يرن في القاعة ويمس أعماق المستمعين . صفق الجمهور للموسيقية المبدعة . انتقلت بعدها إلى أداء الصوناتة رقم 32 من مقام دو الصغير مصنف 111 . يتألف هذا العمل ، على غير العادة ، من حركتين وهي آخر صوناتة يؤلفها الموسيقار الخالد . تتميز حركتها الأولى بروح مقدامة وشجاعة تعبر عن إرادة الفنان أن يصارع القدر القاسي الذي حرمه من أهم حاسة يحتاجها الموسيقي ألا وهي السمع وأن يصرعه أي القدر لا السمع طبعاً . أما الحركة الثانية فتبدأ هادئة حالمة ومتأملة تعبر عن الفنان الذي وجد السلام مع ذاته ومع القدر وانطوى على نفسه يلتمس في ثناياها الغبطة والسعادة العليا . لقد حلّقت شادن في أداء هذه المؤلف الموسيقي الرائع وصفق لها الجمهور بحماس بالغ . كانت هناك استراحة تابعت بعدها شادن عزفها مقطوعتين للموسيقار الروسي سيرجي راخمانينوف . كان المؤلَّف الأول لهذا الروسي النازح "مقدمة" رقم 6 ثم رقم 7 وبعدها "دراسة" رقم 4 ثم رقم 1. موسيقا رخمانينوف هي شلالات هادرة صوتية تعج بالعاطفة الفوارة وبالحنين إلى الوطن وبالحزن العميق على فراقه .

تلاها عزف تنويعات على لحن لكوريللي مصنف 45 . هذه المقطوعات القصيرة تدور حول لحن تراثي يعرف باسم " لافوليا – الجنون" وهي ثرّة بكل أنواع التراكيب الصوتية واللحنية العاطفية والتي تعبر عن الحزن العميق الذي يسيطر على الموسيقي الذي اضطر أن يهجر وطنه ولكنه لم يستطع أن ينساه في كل لحظة من حياته في ذلك العالم الجديد . لم يستطع راخمانينوف أن يبقى في وطنه الأم بعد اندلاع الثورة البلشفية فهاجر إلى أمريكا حيث نال شهرة كبيرة ولكن قلبه كان ، وبقي حتى آخر نبضة له ، معلقاً بوطنه الأم وكانت هذه التنويعات أبلغ تعبير عن حبه لبلده وعن عواطفه الهادرة المفعمة بحب الأرض التي ولد فيها ورضع محبة ترابها .

كانت ألحان رخمانينوف هذه مسك الختام لأمسية موسيقية رائعة قلّ أن استمتعنا بمثلها منذ أمد طويل . قدمت الورود للموسيقية الشابة وصفق لها الجمهور طويلاً وخرج الحضور مسحوراً بالموسيقا الرائعة . للعازفة المحلّقة شادن خالص الشكر على تلك الأمسية الجميلة مع أطيب التمنيات بمستقبل موسيقي ناجح .

د صادق فرعون
تشرين العدد 10017
الأحد 4 تشرين الثاني 2007