وداعاً صلحي الوادي

صباح الأحد 30 من أيلول غادرنا الصديق العزيز صلحي إلى الرفيق الأعلى ... غادرنا ولكنه لم يمتْ لأنه سيبقى في قلوبنا وفي قلوب كل من سيأتي بعدنا محباً للموسيقى الجادة ، الموسيقى الهادفة والمتطلعة إلى الأعالي . ستذكره كل هذه الأجيال القادمة التي أراها بعين بصيرتي وقلبي ولا يداخلني أدنى شكّ في أنها قادمة وأنها متابعة ومتممة للرسالة التي ابتدأها صلحي في هذا البلد التليد في مسيرة الحضارة . قد يبتسم البعض لقراءة هذه الكلمات ولهذه التطلعات المستقبلية ، ولكن أود أن أطمئن كلّ من يتسرب إليه شيء من الشك أنها كلها آتية فيما يلي من الزمان . لماذا يجب أن نكتب عن صلحي بعدما ما ووري جثمانه النحيل الثرى ؟ إنه الشعور بواجب عرفان الجميل أو بعضٍ منه على الأقل . قبل صلحي الوادي كانت هناك محاولات لبدء خلق حياة موسيقية جادة لاسيما بالنسبة للموسيقى الكلاسيكية فقد كان هناك معهد موسيقي في سوق ساورجة ، حارة الورد ، حسبما أذكر ، في بداية الخمسينات ، وكان يدرس فيه آلة البيانو الخبير النمساوي رودولف هلافاتش وأستاذ آخر من هنغاريا لآلة الكمان ولكن نواة الحياة الموسيقية ابتدأت مع عودة صلحي من دراسته للموسيقى في لندن في بداية الستينات وكان أول معهد ترأسه في الحلبوني . مرة ثانية : لماذا صلحي بالخاصة ؟؟؟ - كان صلحي موسيقيا حتى أعماق روحه ونخاعه . كانت الموسيقى هي الهمّ الأوحد له . كانت كلّ مبررٍ لوجوده . كان جندياً مقاتلاً ومتطوعاً وفدائياً في سبيل إرساء أسس الموسيقى الكلاسيكية في هذا البلد وكان دوماً مستعداً لبذل كل غالٍ ورخيص في سبيل تحقيق هذه الغاية السامية . لم يكن يحابي أحداً ولم يكن يزن الناس إلا بميزانٍ واحدٍ : هو مدى محبتهم ومساعدتهم ومساهمتهم في تحقيق هذا الهدف الأوحد . لقد كرّس كل حياته في سبيل هذه القضية المصيرية بالنسبة له ، أي من بداية الستينات وحتى سقط على خشبة مسرح قصر المؤتمرات وهو يقود الفرقة السيمفونية الوطنية في واحدةٍ من أمسياتها في العام 2002 .

لقد سقط صلحي من على منصة القيادة كما يسقط الجندي العظيم الذي يدافع عن تراب وطنه وعن كرامة شعبه ، فلقد كان صلحي ذلك الجندي الباسل والشجاع الذي لم يتوانَ لحظة عن نداء الواجب في عالم النغم واللحن . هل أقول أن القدر كان قاسياً بل وشديد القسوة لأنه لم يمهله حتى ينهي قيادة الفرقة ؟ هل أقول لو أن القدر أمهله حتى تتثبت أسس الفرقة الوطنية الواعدة ؟؟ هل أقول لو ويا ليت ؟ ولكن ما جدوى مثل هذه اللّوّات والليتات ؟ رغم قسوة القدر ورغم وخامة الإصابة التي أصابت صلحي وهو على خشبة المسرح يقود الفرقة – الأملَ ، فقد قارع هذا القدر الذي لا يرحم خمس سنين . نعم قارع المرض تلك السنين ولو كان إنسان آخر غير صلحي لكان استسلم إلى الموت في يومها أو بعد يوم . صلحي كان فولاذي الإرادة وكان فولاذي التصميم والدأب والعمل والمتابعة . هل مات صلحي حقاً ؟ كلا لم يمتْ لأنه مَثَل ونموذج يحتذى ويقتدى لكل من يريد متابعة هذه المسيرة الحضارية والفنية بكل شجاعة وتصميم ودأب . كلا لم يمت طالما كان هناك شبابٌ يتعلمون الموسيقى الجادة ويعملون لكي تكون في هذا البلد موسيقى رائعة ، عزفاً وأداءً وتأليفاً ، تصدح في قاعات بلدنا وفي قاعات كل بلاد العالم رافعة رأس سوريا الحضارة والتاريخ التالد ، سوريا الماضي والحاضر والمستقبل . أعظم أمنية في هذه الحياة المفعمة بالعدوان والقتل والجشع والتكالب على جمع المزيد من المال حتى ولو استلزم ذلك قتل الأبرياء والتعدي على البلاد والشعوب ، هي أن تنمو وتتكاثر أجيال تؤمن وتعمل على تحقيق حقيقة أزلية وهي أن الإنسان قد خلق على هذه الأرض ليس ليقتل أخاه الإنسان ، كما فعل قابيل بأخيه هابيل ، بل ليخلق حضارات وثقافات ولينشر المحبة والسلام والأخوة ما بين كل شعوب هذا الكوكب الهائج المائج بالأحداث الجسام ...

كان بودي أن أروي لكم كيف عرفت صلحي مذ كان وكنا شباباً يافعين تملأ عقولنا أحلام كبيرة لمستقبل زاهٍ ورائع ، ولعلّي أفعل ذلك في مناسبة ثانية . أسارع لأختتم كلماتي بهمسة عزاء تنبع من القلب إلى رفيقة حياته السيدة سينثيا إيفيريت الوادي وإلى أولاده الأعزاء همسة وسرمد وديالا ، ثم لعائلته الكبيرة : لكل من أحب الموسيقى وعمل في مسيرة تقدمها وازدهارها ، إلى كل الخبراء السوفييت الذين أتوا من روسيا ومن كل البلدان الأخرى المحيطة بها والذين خدموا ، ومازالوا ، يخدمون القضية الموسيقية بكل عزم وإخلاص ، إلى كل أساتذة المعهدين وكل تلاميذهما في الماضي والحاضر والمستقبل ، وإلى كل محبّي الموسيقى الذين شاركوا بالاستماع وبالدعم وبالتشجيع .... إنها في الحقيقة عائلة كبيرة جداً ورائعة جداً وهي كلّها تعيش مع صلحي ويعيش معها وسيبقى الأمر كذلك حتى يرث الله هذه الأرض المثقلة بالمآسي وبالكوارث البشرية ولكنها في الآن ذاته المفعمة بالكثير من الحب والتفتّح والتسامح والتفاؤل . إلى الجميع تحية حزينة وسعيدة ومبتسمة في آن واحدٍ معاً . هل هذا ممكن ومعقول ؟ - نعم . الصديق العزيز صلحي : وداعاً وإلى اللقاء في كل لحظة ومع كل نوطة ترنّ في أجواء هذا الوطن الحبيب .

د. صادق فرعون
Spharmd2@scs-net.org