ثلاثي موسيقي رائع في دار الأسد
برعاية وزارة الثقافة ، قدّمت دار الأسد للثقافة والفنون الثلاثي المؤلف من ماريا أرناؤوط ، كمان ، وكنان عظمة ، كلارينيت ، ورامي خليفة ، بيانو ، في أمسية موسيقية رائعة . غني عن الذكر أن ماريا هي عازفة الكمان الأول في فرقتنا الوطنية السيمفونية وقد تابعت دراستها وأداءها في أوروبا والعديد من بلاد العالم . أما كنان فهو من أوائل نجوم المعهد العالي وقد حاز على الجائزة الأولى في مسابقة روبنشتاين الموسيقية في موسكو ويقيم حالياً في أمريكا . رامي خليفة هو أيضاً من عازفي البيانو المتميزين وابن الموسيقي الشهير مارسيل خليفة ويقيم أيضاً في أمريكا . قدّم هذا الثلاثي المتميّز أمسية لا تنسى في قاعة الدراما في الدار . كانت المقطوعة الأولى "صوناتة من مقام مي الصغير" للبيانو والكمان من تأليف فولفغانغ موتسارت . وهي واحدة من مؤلفاته المبكرة وهو في العشرين من العمر . تتميّز حركتاها بلحنية وشاعرية رائعة مع مسحة من الحزن بسبب وفاة أمّه المبكّر . أدت ماريا ورامي هذه المقطوعة بعفوية وحماس بالغين نمّ عن الروح الموسيقية الحقّة التي يمتلكها هذان الموسيقيان الشابان .
كانت المقطوعة الثانية للكلارينيت والبيانو وقد استقبل الجمهور كناناً بتصفيق عفوي ينمّ عن الحب الذي يكنّه له . عزف كنان ، بمرافقة البيانو " صوناتة" من تأليف فرانسيس بولان . هذا المؤلف الموسيقي الفرنسي الحديث هو واحد من أشهر أساطين الحداثة في المدرسة الموسيقية الفرنسية وتتميّز موسيقاه بنبضٍٍ لحنيٍ قويٍ وتركيبات موسيقية حداثية غنية بالتآلفات الصاخبة والقلقة . لقد أدى كنان ورامي مؤلف بولان بحماس وبراعة فائقتين وقد صفق لهما الجمهور كما لم يفعل مثلها من قبل ، وكان ذاك تعبيراً عن حبّه وتقديره لكنان بشكل خاص . بعد الاستراحة ، عاد الموسيقيون فعزفوا ثلاثياً من تأليف زيد جبري (1974) وهو واحد من أميز خريجي المعهد العالي ومؤلف موسيقي حداثي موهوب . تتميز مقطوعته بكمّ هائل من الهارمونيات الصاخبة والقلقة والنبضات الإيقاعية الجارفة التي تعبّر عما يعانيه جيله من قلق وعدم استقرار ناجم عن المآسي التي يعانيها عالمنا تحت ظلّ النظام العالمي الجديد المُغرق في العدوان . تنتهي موسيقاه بمقاطع حالمة وسادرة بل وحزينة مستسلمة وهذا مما يزيد في حجم المأساة التي ترويها موسيقا هذا المؤلف الشاب الواعد . كانت المقطوعة الأخيرة من تأليف الموسيقار الأرميني الشهير آرام خاتشاتوريان . عاش آرام في ظل الحكم الستاليني القاسي ومع ذلك فموسيقاه غنية بالألحان الجميلة الشرقية القلب والتي تحكي آلاف الحكايات عن كل ما عاناه هذا الشعب من ظلم وقسوة ومع ذلك لم يفقد إحساسه بالفرح والسعادة . تفور الموسيقا فجأة لتنتهي بشكل مفاجئ كأنها إشارة استفهام كبيرة ؟؟ تتساءل هل سيعمّ السلام العالم يوماً ما ؟ وهل سيتحقّق قدْرٌ ولو معتدل من العدل والإخاء ما بين بني البشر ؟؟؟ هكذا انتهت هذه الأمسية الرائعة التي تميّزت بأداء موسيقي عالي المستوى وبتعايش عميق وحقيقي مع النغم ومع رغبة صادقة في أن يتمكّن الفنان أن يحقّق ما لم يستطع تحقيقه حكام العالم .
للموسيقيين الثلاثة المتميزين جزيل الشكر على أمسية رائعة سنذكرها لأمد طويل ، مع أطيب الأمنيات بتحقيق انتصارات إنسانية عظيمة عبر النغم . نأمل أن نستمع إليكم في فترات متقاربة .
د صادق فرعون














