رحيل لوشيانو بافاروتي (12/10/1935-6/9/2007)

يصعب تلخيص حياة هذا الفنان والإنسان والمغني الكاريزمي في دقائق ، ومع هذا سأفعل كل جهدي . ولد هذا المغني العظيم في ضواحي قرية مودينا شمال إيطاليا ، لأبٍ خبازٍ محبٍ للغناء ولأمٍ موسيقية أيضاً . كان يودّ أن يغدو لاعب كرة قدم ثم معلماً في مدرسة ولكن غناء أبيه الشجيّ واسطواناته لأشهر المغنين ( جيغلي ومارتينيللي وكاروزو ) دفعته إلى دخول عالم الموسيقا والغناء . بدأ ظهوره الغنائي في مودينا إيطاليا ، ثم في فينا ولندن ، ثم في أمريكا عام 1965 مع السوبرانو العالمية جون ساذرلاند . ظهر في معظم دور أوبرا العالم وعلى رأسها أوبرا فينا ولندن ولاسكالا دو ميلانو وسالزبورغ ، ثم ميتروبوليتان – نيويورك. جال وغنّى في معظم بلاد العالم ومنها أوستراليا والصين . ظهر في 379 أمسية أوبرا في ميتروبوليتان نيويورك وحاز على سبقين عالميين في موسوعة غينيز : 165 ظهور أمام الجمهور على المسرح وبيع له أعلى رقم من التسجيلات الكلاسيكية في العالم .

بعد مسيرته الأسطورية في دور الأوبرا خرج إلى العالم الخارجي فغنّى في الملاعب الرياضية والساحات والمباريات مع زميليه : بلاسيدو دومينغو ويوزيه كارريراس : "ثلاثي التينور" حيث غنوا أشهر ألحان الأوبرات لجماهير تزيد أحيانا على مئات الألوف.
قرّر بافاروتي عام 2004 أن يجول أرجاء العالم وأن يغنّي للبشرية جمعاء . بدأ رحلته الأرضية السندبادية ولكن المرض لم يمكنه من إتمام حجيجه الأرضي . نال كل ما يستحق من تكريم ومحبة وتقدير في كل أرجاء الأرض .

في العام 1980 أسس مسابقة بافاروتي العالمية للغناء ، وشجع المتسابقين الشباب فيها وغنّى معهم .
أعماله الخيرية : أسس جمعية لمساعدة ضحايا الحروب : في البوسنة وغواتيمالا وكوسوفو والعراق ولضحايا الهزة الأرضية في أرمينيا عام 1988. وحاز على مدالية نانسين Nansen للأمم المتحدة لجمعه ما يزيد على مليون ونصف المليون دولار للاجئين في العالم وهو أعلى رقم جمعه إنسان على وجه هذه الأرض . له أربع بنات : لورنزا وكريستينا وجوليانا من زوجته الأولى المغنية فيروني وآليس من زوجته الثانية مانتوفاني . رفعت دور أوبرا فينا ولندن وسالزبورغ الأعلام السود حداداً على المغني العظيم وكذلك شاركت الإنسانية جمعاء في هذا الحداد . يقول بافاروتي : " أعتقد أن تمضية الحياة في الموسيقا هو أمر رائع وهذا ما كرّست حياتي له" . يتميز أداء بافاروتي وصوته بالجمال والإحساس المرهف والقوة والدقة النادرتين وهو ما رفعه إلى رتبة أعظم مغني تينور في العالم أجمع في القرن العشرين ، وقد اشتهر بأدائه السهل لنوطة "دو" العالية كما اشتهر بأذنه الموسيقية المطلقة perfect pitch .

إلى إيطاليا ، البلد الذي أثرى العالم بأروع موسيقا تأليفاً وأداء ، بل وللإنسانية جمعاء التي أحبّت هذا المغني المعجزة خالص العزاء مع الأمل الكبير أن يتمخض هذا البلد المخصب موسيقياً بالمزيد من خالدي الموسيقيين .

علوٌ في الحياة وفي الممات لعمري تلك إحدى المعجزاتِ

د صادق فرعون
23/9/2007