الاحتفالية السنوية الأولى للموسيقى العربية

لكي لا يُساء فهم ما سأقوله أودّ أن أذكر لمحة قصيرة عن القسم الموسيقي من حياتي : درست الكمان في منتصف أربعينات القرن الفائت على الأستاذ شوقي بك زوربا ، موسيقي السلطان عبد المجيد آخر سلاطين بني عثمان لمدة ثلاث سنوات ، كنت خلالها أعزف على الكمان معظم البشارف والسماعيات واللونغات التركية في معظمها وكنت مغرماً بها وسعيداً بألحانها الشرقية . بالمناسبة أقول إن معظم ما يدعى بالموسيقى العربية ( والتي أفضل تسميتها بالشرقية) هي في الحقيقة ذات أصول تركية – فارسية . لا أقول ذلك بقصد الإساءة ففي الموسيقى والفنون عموماً تنعدم الحدود وتسقط الحواجز .

ثم كان أن رأيت فلماً عن حياة "شوبان" وكان مليئاً بمقطوعات شوبان من "بولونيز" و "مازوركا" و "فالسات" . لم أصدق عيني وأذني عندما حضرت الفلم لأول مرة فقد أدركت أن "هذه الموسيقى بعينها" هي التي كنت أفتش عنها وأريدها وأحلم بها وأتوق إليها ، فهي تختلف كل الاختلاف عن الموسيقى "الشرقية" التي أمضيت ثلاثة أعوام في دراستها وعزفها . أدركت أن موسيقى شوبان ، وبعد ذلك كل المؤلفين الموسيقيين الغربيين الذين تعرفت على أعمالهم من باخ العظيم إلى بيتهوفن وهلم جرا.... ، هي النمط النبيل والعظيم من الموسيقى ، أما تلك الموسيقى الشرقية فهي من مخلفات عصور الانحطاط والخّدَر وأحلام النهار والشطحات الـ.... والمولوية والأراكيل والقهاوي حيث يقعد الناس إلى ما لانهاية لا علاقة لهم بالحياة ولا بالزمن ولا بالأحداث القريبة منها أو البعيدة . حضرت هذا الفلم ست أو سبع مرات ومنذ رأيته تحولتُ إلى الموسيقى الكلاسيكية ولم أندم يوماً على ذلك التحول المفاجئ والمؤكّد والنهائي لقناعتي أن هذه الموسيقى ليست غربية بل هي عالمية اللغة ، يؤلف بها كل موسيقي بحسب تراثه وثقافته وبلده ولغته . موسيقى تشايكوفسكي وشوستاكوفيتش روسية صريحة ، وموسيقى فاغنر ألمانية جرمانية مئة بالمائة ، وموسيقى ديبوسي فرنسية وهكذا .

بعد هذه المقدمة الإيضاحية أقول أنني حضرت "الاحتفالية السنوية الأولى للموسيقى العربية" في دار الأسد للثقافة والفنون التي قدمتها الفرقة الوطنية للموسيقى العربية بقيادة الأستاذ عصام رافع والتي كرّمها السيد رئيس الجمهورية بحضوره مع السيدة عقيلته وكانت قاعة الأوبرا ممتلئة بالحضور . لماذا حضرتُ ؟ عادة أحضر فقط أمسيات الموسيقى الكلاسيكية لقناعتي بأنها النوع الأفضل والأسمى في التعبير عن مشاعر الإنسان . حدثني صديق لي قائلا ومعاتباً: لا يجوز أن يكون الإنسان مبالغاً في الانحياز التام إلى فئة دون أخرى ، وهو طبعاً يقصد ألا يكون الإنسان متطرفاً . ونظراً لأنني أظن أنني غير متطرف وأنني أؤمن بحرية الفكر وبلا محدودية الثقافة والفن فقد قررت أن أذهب لأرى ولأسمع . دهشت لأنني ، وبالضبط ، سمعت نفس الموسيقى التي كنت أعزفها وأتعلمها قبل ستة عقود ، أي ستين عاماً ، لم تتغير ولم تتبدل ولا قيد أنملة ! طبعاً تغيّر الشكل : فالتخت الذي كان يتألف من بضعة موسيقيين غدا فرقة كبيرة مع جوقة كبيرة تغني نفس اللحن ونفس النغم وكذلك الفرقة . لم يتغير شيء ولم تتغير المقامات ولا أسماؤها من حجاز كار كرد وفرح فزا الخ... أما الموسيقى فهي نفسها النغم الذي يتكرر ويتكرر إلى ما لانهاية مما يجعل له تأثيراً منوماً ومخدراً ينسي الإنسان أن هناك حياة وزمناً يدور وساعات تمرّ وتفرّ ولا تعود . هي التي جعلت الشرق شرقاً غارقاً في نوم عميقٍ وذهن سادر ودماغٍ ساكن اختفت من مليارات خلاياه كل الموجات الكهربية بكل أنماطها .... كلّي أمل ألا يسيء أي إنسان فهم كلامي فهو واضح : هذه الموسيقى هي ذاتها التي كانت تعزف في الأربعينات في معهد الفارابي الذي كان موقعه قرب شارع العابد وفي بيت فخري البارودي الذي كان موئلاً للموسيقيين في ذلك العهد القديم ومن بينهم أستاذي شوقي بك زوربا رحمه الله . ما أزال أذكر خيبة أمله عندما طلبت منه أن يعلّمني أحد فالسات يوهان شتراوس ، إذ كان الفلم الثاني الذي عُرض في نفس السينما قبالة محطة الحجاز " كل المدينة ترقص" وكان يحكي حياة شتراوس ملك الفالس . قال لي شوقي بك : " لا علاقة لنا بهم ! فهم غربٌ ونحن شرقٌ!." وهذا كان آخر يوم أذهب إليه في بيته المتواضع في المهاجرين ، شورى .

أود أن أشير إلى أمر هام في تلك الاحتفالية . كانت المقطوعة الأخيرة بعنوان " بانوراما سورية" غنت الجوقة وعزفت الفرقة فيها ألحاناً شعبية من عدة مناطق من سورية . يا للروعة . هذه الموسيقى تختلف اختلافاً جذرياً عما سبقها . إنها موسيقى الشعب . إنها موسيقى بسيطة ولكنها حيّة مليئة بالحياة والنبض والصحو . إنها تختلف عن المقطوعات التقليدية المكرورة . لقد سعدت بالاستماع لها كما أنها شجعتني أن أكتب وألا أبقى صامتاً . الموسيقى الشعبية تشكل عالماً مختلفاً حياً ومتحفزاً ومليئاً بالحيوية . إنها تؤكد ما ذهبتُ إليه . كيف الخروج من هذا العالم المسحور والمخدّر ؟ الحياة هي الحركة الدائمة وهي التطور الدائم . الماء الجاري والمندفع ماء رقراق وصحي وطيب الطعم ، أما الماء الآسن والساكن فتنمو فيه الأشنيات ويكون مذاقه غير مستساغ . السكون هو الموت . كل الفنون والآداب والثقافات تطورت واخترقت كل السدود التي يبنيها الفكر المتحجّر . هي التي أوصلت الإنسان الغربي إلى القمر وإلى غيره من الكواكب وهي التي أنجبت عمالقة الفكر والفلسفة والموسيقى والأدب في أرجاء العالم الأول . إن من واجبنا أن نقفز وأن نتقدم لنلحق بالعالم المتطور كما فعل أجدادنا في عصور الحضارة السالفة.... فإلى الأمام . إلى الأستاذ عصام وإلى الفرقة الوطنية أطيب التمنيات وأرجو أن يقرؤوا ما بين السطور فالغاية من هذه الكلمات هي دعم موسيقانا ودفعها نحو الأمام ونحو الحياة وليس العكس ...

د صادق فرعون
تشرين العدد 10051
الخميس 13/12/2007