مغني هولندي في كنيسة الزيتون

قدّمت الأمانة العامة لدمشق عاصمة الثقافة مغني الباروك الهولندي مارسيل بيكمان في أمسية غنائية في قاعة كنيسة الزيتون بدمشق وبمشاركة موسيقيين سوريين: السيدة دانا دبوس والسيد ترو سكايان، كمان ، ومالك كوريه، باصون، وبلال مرعي، فيولا، وأسامة التسعيني، تشيللو، كما رافق المغني على آلة الكلافيسان السيد ماركو فيتالي. غنى هذا التينور الهولندي مع العديد من أشهر الفرق الموسيقية مثل أوركسترا برلين السيمفونية وغيرها وفي العديد من بلدان العالم من باريس إلى طوكيو ونيويورك وميلانو ومدريد، كما سجل العديد من الأسطوانات وحصل على الجائزة الذهبية من شركة "دويتشه غرامافون" وهي من أشهر الشركات في العالم. هذا ويأتي هذا الحفل تتويجا لورشة عمل قام بها هذا الفنان في المعهد العالي للموسيقا بدمشق.

يكرس هذا المغني معظم نشاطاته لمرحلة موسيقا الباروك أي في القرنين السابع عشر والثامن عشر. اكتظت القاعة بالمهتمين بموسيقا الباروك وبأعضاء من السفارة الهولندية. غنى السيد بيكمان في القسم الأول لحنين لفرنسوا كوبيران ( 1668-1733) وكوبيران من أبرز وأشهر المؤلفين الموسيقيين في ذلك العصر، هذا وكان الكثير من الأغاني الدينية تستخدم اللغة اللاتينية ثم ما لبث أن تحول المؤلفون الموسيقيون إلى لغاتهم الأم في التأليف الموسيقي لاسيما بعدما انتشرت البروتستانتية والكالفينية في أوروبا. اللحن الأول بعنوان "أسعدتِ يوماً أيتها الملكة" والثاني "دوماً أيها الرب" . موسيقا كوبيران في غاية الجمالية اللحنية تعبّر عن أسمى المشاعر الإنسانية التي لا يخالطها أي أثر من القلق أوالعُصابات التي اجتاحت أعماق نفوس البشر مع بدايات القرن الماضي وعصفت بفكر إنسان هذا القرن حتى غدا وحشاً كاسراً في زيّ بشر. تغسل ألحان كوبيران السماوية روح المستمع وتضفي عليه سعادة وصفاء روحياً عجيباً. صفق الجمهور للمغني المبدع. بين لحني كوبيران غنى بيكمان لحناً (آريا) للمؤلف الفرنسي هنري دو مون، وهو أيضاً من موسيقيي القرن السابع عشر وأغنيته بعنوان "سلاماً عليك أيتها العذراء" وموسيقاه قريبة من أسلوب كوبيران. بعدها أدى آريا من تأليف ميشيل بينيوليه دومونتوكلير وهو أيضاً من نفس العصر وكان لحنه بعنوان "أوروبا" وباللغة الفرنسية صفق الجمهور للفنان الهولندي ولعازف الكلافيسان الإيطالي وللمرافقين السوريين.

كانت بعدها استراحة قصيرة عاد بعدها المغني لأداء خمسة ألحان من تأليف يوحنا سيباستيان باخ وهو الشهير بباخ الكبير وهو علم من أعلام الموسيقا ليس في ألمانيا وحدها بل وفي أوروبا بأكملها وفي العالم أجمع أيضاً. ألف باخ العديد من مئات الكانتاتات والكانتاتا هي مغناة دينية أي مجموعة من الألحان الكنسية التي كانت تُقدّم أيام الآحاد لاسيما في كنيسة القديس توما في لايبزيغ. كان باخ يستخدم اللغة الألمانية في مؤلفاته الغنائية إلى جانب اللغة اللاتينية. تدور ألحان هذه الكانتاتات حول أحداث أو أفكار أو خواطر دينية. الأولى بعنوان "لا يستطيع أي شكٍ أن يعكّر صفو روحي" والثانية "لا. الرب يملك في كل الأزمنة" أفِض علينا أيها النبع الإلهي" والثالثة "لماذا ترتاعين يا نفسي؟" والرابعة "لا تُبقِِ لي أيها الخوف شيئاً من السعادة". تتميز ألحان باخ عن غيرها لكل معاصريه ولمن بعده بغنى تركيبتها الموسيقية اللحنية والهارمونية وهي رغم تعقيدها ولكنها عميقة التأثير في نفوس المستمعين وتعدّ قدّاساته وأوراتورياته من أروع ما كتب في الموسيقا الروحية وأعني بها الدينية بمعناها الأوسع والتي استطاعت أن تجتاز جدران الكنائس لتصدح في كل أرجاء الأرض ولكي تكون بلسماً للبشر أينما كانوا ومهما كانت جذورهم الثقافية والمعرفية والدينية ومهما كانت لغاتهم وتراثهم الموسيقي. وهذا من أكبر البراهين على دور الموسيقا الجادة في أن تكون رسول محبة وتقارب وتفاهم بين شعوب الأرض قاطبة في وقت صارت البشرية أحوج ما تكون لمثل هذا العلاج الذي يشفى من أفظع وباء أصاب البشرية ألا وهو حب السيطرة واستعباد الآخر وطغيان المادة والمادةِ وحدها على كل ما قدمته البشرية من مبادئ نبيلة وإنسانية عبر كل العصور.

هكذا انتهت هذه الأمسية الرائعة من غناء القرن السابع عشر مشكّلة رسالة إلى الإنسانية المريضة أن آن وقت الشفاء والعودة إلى حياة آمنة وسعيدة ومستقرة تشمل جميع بني الإنسان على الأرض. جزيل الشكر للمغني الضيف وللموسيقيين المشاركين وللأمانة العامة للاحتفالية ولكنيسة الزيتون التي جمعت مرتين وخلال أسبوع واحد جمعاً كبيرا ًمن محبي الموسيقا في هذه القاعة العتيقة والثمينة والتي يفوح منها عبق التاريخ القديم ليجعلها ملتقى للعديد من بني البشر لم تفرقهم أية فوارق لغوية أو فكرية فكانت مثلا يُحتذى لكل البشر لاسيما لمن أصيبوا بذلك الداء الوبيل من عنصرية وجنون عظمة وذُهان واهم في أنهم "المختارون في الأرض".
لعلهم يُشفون يوماً ما من هذا الوباء القاتل فيستريحون ويريحون ويسود السلام الأرض....

د. صادق فرعون
spharmd2@scs-net.org