تعال ننتمي الى الموسيقا

دمشق
صحيفة تشرين
ثقافة وفنون
الاحد 7 كانون الأول 2008
بانة القاسم

عندما تدخل الى هذا المكان، تحاول ان تخلع المدنية خارجا، رغم ماحاولت أن تأسرك به عمرك كله، وأن تنتمي الى نفسك، أي أن تعود الى انسانيتك، بعد كل ما لحقها من كدر الحضارة وتشوه العصرنة. عندما نصحتني شقيقتي أن آخذ ابنتي الى زميلها الذي افتتح عيادة يصلح بها نفوس الأطفال بالموسيقا، محاولا «أن يشذب صخبهم وجنون طفولتهم، باضافة مسحة ايقاعية عليها وجعلهم يرتقون الى سموالموسيقا ,ليصح حالهم وتتروض سلوكياتهم ويغدون أصحاء الروح في محاولة للاستعداد لما سيلاقونه عندما يكبرون.لم أصدق أن للأذن هذا التأثير القوي على الروح.

ففي حفلة موسيقية كالتي أحياها غزوان الزركلي عازف البيانو السوري الشهير، على مسرح الدراما بدار الأسد للثقافة والفنون يوم الاثنين الفائت. كان للروح موعد مع السعادة غير المجانية، اذ ها أنت أخيرا «تنسى كل ما رتبه القدر في ذاكرتك، والكثير من تفاصيل يومك وأمسك وغدك، وها أنت تدخل في طقس روحي آخر يلغي الصخب من قاموسك الشخصي، لتعيد حسابات أخرى نسيتها في غمرة الفوضى التي أكلت ما تبقى من روحك. ‏

أنت على موعد مع نفسك , مدة ساعة من الزمن يفتح لك فيها الزركلي بوابات الحلم لتسير على غيوم من موسيقا تسافر بك الى دنيا جيوفاني بيتشي و فريدريك شوبان وبيتهوفن. وداخل عالم يسمح لك بالكثير من التداعيات والأفكار، تستحضر أحلامك وتفرج عن عقد نفسية لم يسمح لها البوح وتطلق زفرات تأبى الخروج من بوابة صدرك خوفا «أو كبرياء. أنت هنا وجها لوجه معك، مع انسان نسي نفسه في عالم يلهث راكضا» وراء الجزرة التي لن يقضم منها الا ماقدر له ولكنه لا يفهم، الا في نهاية الرحلة. أن سعيه وراء لقمته، أكل جهده كله فنسي روحه وراءه ومضى. هكذا ظلت الموسيقا تحرض نفسي وتؤلب علي طموحي الذي بدأ يتقلص كلما تقدمت في العمر. ‏


بعد الاستراحة اسمعنا غزوان الزركلي (واعتقد أن اسمه في غنى عن اللقب) مقطوعة جميلة للفنان الصوفي السوري وليد الحجار هي عبارة عن (ايتود ثوري )،ثم انتقل في رحلة الى عالم رخمانينوف الحالم حيث وزع على كل منا زهرة أقحوان خلبية، رسمها كل واحد على هواه كما تخيلها رخمانينوف في مؤلفه الذي يحمل اسم الأقحوان. قدم الزركلي ثلاث مقطوعات راقصة هس السالسا وتانغو وفالس من تأليفه، أحسسنا وكأننا نشاركه الرقص على ايقاعها في أحد قصور النبلاء في العصور الوسطى.

أن تكون الموسيقا رسالة ,فهذه عبارة مألوفة السماع ولم نأت بالجديد. ولكن أن تقع على الانسان موقع السحر، فيحس بغضب المؤلف، أو يعتذر منه لحبيبته معه، أو يشاركه وجده وهيامه بالمحبوبة، أو يرحل ليخلد حبيبا «أو صديقا»، فهذه قمة الشفافية والولوج الى عوالم انسانية نبيلة لن يصل البشر الى مستواها الا اذا حباهم الله القدرة على الحس العالي.. ‏

في ختام حفله الساحر وقف الفنان الزركلي حزينا «في حالة وفاء مستأذنا» بتقديم مقطوعة في ذكرى رحيل الراقص السوري الشاب لاوند هاجو الذي فارق خشبة المسرح في قفزة أخيرة الى عالم السكون. قائلا: أهدي هذه المقطوعة الى الفنان الراحل والى كل من لم يطاوعه العمر على اكتمال الحلم... ‏

شكرا غزوان الزركلي على الحفل الأنيق والاداء المتميز ولكن ليس ذنبك..... أن حفلة بهذه الأهمية، كانت تحتاج الى دعاية مسبقة واعلام كاف، يمكن عشاق الأداء المحترف للموسيقا الراقية من الحضور الكثيف.‏