دون كيخوت الموسيقى في ترجله الأخير
بمخيلته الخصبة وثقافته الواسعة المشرعة نوافذها على علوم وموسيقى الغرب بدون مهابة الاقتلاع لمتانة الجذور ، لا بد وأن صلحي الوادي قد تصور مرارا وتكرارا بأن معاركه لصياغة وتطوير نهضة موسيقية عربية سورية مستنيرة تعتمد التراث و أسس الموسيقى العالمية لتبني عليها هي معارك دون كيخوتية من جوانب عديدة ، الفرق الجوهري بينه و بطل ثيرفانتس أن أساطير ونتاج أساطين الموسيقى العالمية من باخ إلى المعاصرين منهم هي التي سكنت خياله وحفزت فتوحاته عوضا عن مآثر فرسان القرون الوسطى ، فاستخدم عصاه لقيادة الأوركسترا كبديل عن أسلحة وأساليب قتال قديمة صدئة حلم غريمه الاسباني عبثا بتحقيق النصر بواسطتها.
تضافرت مجموعة من العوامل الذاتية والعامة لتمكين صلحي الوادي ورفاقه من رواد الموسيقى الجادة السوريين من تحقيق أحلامهم، سأستعرض فيما يلي بعضا منها وفقا لرؤيتي :
• فكر حر منفتح على ثقافة العالم وموسيقاه بأطيافها مكنت الراحل بجذوره العربية و دراسته و ثقافته الغربية من بناء مشروعه الموسيقي لبنة لبنة مع أقرانه بما يلاءم المحيط وفي حدود الممكن (استطاع أن يوسع تلك الحدود باستمرار، كلما سنحت الفرصة، لاستيعاب الجديد من أحلامه)، قام بكل ذلك بالتشارك والتفاعل مع رفيقة حياته سينثيا (وقد لعبت لحسن حظه، متفهمة ومستوعبة، الدور البديل لسانشيو بانثا مرافق دون كيخوتة المخلص في فتوحاته الوهمية) وتم كل ذلك بدعم وتشجيع كبيرين من شريحة واسعة من مثقفي الطبقة الوسطى في دمشق التي وجدت في النشاط الموسيقي المتنامي مجالا واسعا للاهتمام، منفذا حضاريا، و فرصة متاحة اقتنصتها لتنمية ثقافة أولادها وبناتها ربما كبديل عن اهتمامات أخرى أقل تجريدية.
• وطد وجذر فكر صلحي الوادي المنفتح على كافة التيارات الفكرية حسه المرهف بالمواطنة ورغبة جامحة في التطوير بلورها بمنهجيته والعمل الدءوب لتحقيق منجزات عديدة لاسمه والوطن .
• ينحدر صلحي الوادي من عائلة عراقية عريقة ( يحمل والده لقب باشا). بالرغم من أن هكذا ألقاب لم تعد تؤمن لحامليها رغد العيش الذي تمتعت به هذه النخب في مراحل سياسية سابقة ، فان الترعرع في ذاك الجو لا بد وأنه أتاح لصلحي التمتع ببعض سمات التربية الأرستقراطية التي ساعدته على نجاح مشروعه منها : الثقة والاعتداد بالنفس وبالأصل مدعمة بثقافته الواسعة، دأبه الكبير على العمل، التحرر اجتماعيا من إلحاح الحاجة المادية إذ لم يكن صلحي الوادي يربط بين ما يتقاضاه كراتب متواضع نسبيا عبر المؤسسات التي أنشأها وترأسها وبين كمية عطاءه، وقد عاش وأسرته حياة غنية بمحتواها و قيمها ومضامينها نحت إلى التقشف المادي، الغيرية و كرم المعاملة، مناعة متأصلة ضد الشعور بالصغر كنتيجة للاندهاش أو تفاوت المقام الوظيفي و/أو المادي.
• أتاح تحرر صلحي الوادي من طغيان الحاجة المادية له قدرة كبيرة على رفض كافة أشكال الضغوط المعنوية أو المادية، والإصرار على منهجه الخاص بالتطوير من غير مساومة على الأهداف مما أكسبه احترام الجميع فكان طيلة حياته المهنية من الذين يستطيعون ويجرؤون على الانسحاب بالاستقالة في مناخ عمل غير ملائم لتطلعاته، وعدم لجوئه إلى ذلك بعد مواجهات ومعارك صغيرة خاسرة (اعتبرها تكتيكية) لم يكن إلا بسبب إصراره العنيد على تحقيق أهدافه برؤيا إستراتيجية طويلة الأمد.
• التحدي: أذكر بأنني سمعت أن دراسة صلحي الوادي للموسيقى كانت تحد لرغبة الأب في تخصص ولده كمهندس زراعي لمساعدته في إدارة ما يملكه من ارض زراعية واسعة في العراق بشكل عصري. في خياره الجريء هذا (نسبة لذاك العصر) وطد صلحي الوادي دعائم حريته الشخصية مستقلا عن القيم الاجتماعية السائدة في محيطه. لي مع الراحل تجربة شخصية في هذا المجال ، إذ اعتقد صلحي ولفترة طويلة أثناء متابعة كل من ابنتي ريمة وابني كنان لدراستهما بالمعهد العالي الموسيقي (الذي أنشأه وترأسه) أنني ممانع ضمنا لاحترافهما الموسيقى بدليل التحاق كل منهما بكليات العمارة والهندسة الكهربائية على التوالي في نفس الفترة ، كانت حججهما (وحجتي أيضا) ردا على اتهامه بأن احتراف الموسيقى الجادة في سورية لا يمكن أن يؤمن الاحتياجات المادية الأساسية فيما عدا للقلة شديدة التميز من الموسيقيين. لكم سر صلحي الوادي فيما بعد لاحتراف ابني كنان للموسيقى ومتابعته دراساته العليا في مجالها، وان أنسى فلا أنسى أداء كنان لكونشرتو الكلارينيت والأوركسترا لموزارت بمصاحبة الفرقة الوطنية السيمفونية السورية جنبا إلى جنب مع صلحي الوادي قائدها في قصر المؤتمرات (كان صلحي مغرما بموزارت، و مؤلفه هذا ).
• قدرة صلحي على التواصل مع طلابه على اختلاف مشاربهم كانت مميزة ، استقبلهم بانفتاح في مكتبه ومنزله وحفزهم وشاركهم في الاستماع لمجموعته الكبيرة من الأسطوانات الموسيقية والأشعار التي يحب يلقيها على مسامعهم، كما اعتبرهم على الدوام شركاء في مشروعه الموسيقي الثقافي الكبير وأهتم بمساعدتهم على التغلب على صعابهم الموسيقية والحياتية أيضا، وأكسبه كل ذلك إضافة لتقديرهم لثقافته ومعرفته وكفاءته كموسيقي وقائد أوركسترا احتراما كبيرا ومهابة (يشوبها بعض الخوف أحيانا) أهلته لأن يكتسب طاعتهم الكاملة بحد أدنى من الحاجة للعقاب والقسوة المبررة ( و غير المبررة في أحيان قليلة أخرى ،إذ لم يكن صلحي الوادي، كفنان حقيقي، بالبعيد عن المزاجية أو معصوما عن أخطاء يمكن أن تنجم عنها)
• لا شك أن لصلحي الوادي وزملائه من الرواد (خضر جنيد ، نوري الرحيباني، الهام أبو السعود وغيرهم ) فضل تأسيس حياة موسيقية جدية فاعلة في سورية ( المعاهد الموسيقية، دار الأوبرا، الفرقة السيمفونية ، فرقة الموسيقى العربية، وغيرها) ، لكن يجب التذكير بأن مثقفي سورية لم يكونوا في عزلة عن الحركة الموسيقية العالمية ، ويكفي للاستشهاد بأن التسجيلات الموسيقية الهامة لكبريات الفرق السيمفونية وغيرها على اسطوانات LP كانت متوفرة لدى كافة المحلات المتخصصة بالموسيقى في دمشق في الخمسينات من القرن الماضي ( شاهين ، الصناديقي ، مكتبة الزهراء ، وغيرهم ) دليل وجود من يقتنيها . كما أن البرامج الموسيقية الكلاسيكية والجادة بأنواعها في الإذاعة السورية كانت أكثر تنوعا وتواترا منها الآن، ناهيك على أن معظم الأفلام المصرية (السائدة في ذاك الزمن) كانت تعتمد في موسيقاها على مقتطفات من الموسيقى العالمية (كما هي أو مع إعادة التوزيع وربما بعض التطوير؟؟ )، وهنا لا أستطيع نسيان أوركسترا فينا الفيلهارمونية التي قدمت حفلين متميزين غصا بجمهور ملتزم بأدب الاستماع على مسرح مدينة معرض دمشق الدولي في بداية خمسينات القرن المنصرم . خلاصة القول أن صلحي الوادي استكمل مقومات تفعيل وتطوير الحركة الموسيقية السورية عبر بناء مشروع متكامل انطلاقا من حاجة اجتماعية كامنة مبتدئا بإنتاج عدد هام متزايد من الموسيقيين الأكاديميين استطاع بعضهم الانطلاق نحو العالمية فيما بعد.
• التصميم على الهدف ومتابعة العمل الدءوب بإصرار لتحقيقه بقدر مناسب من البراغماتية (بمفهومها العملي الايجابي) مزايا تحلى بها الراحل . لم يكن مشروع صلحي الوادي بالمشروع السهل ولم يكن في تقديري بإمكانه وضع تصور زمني معقول الدقة لتحقيق أهدافه عند البداية في ستينات القرن المنصرم . يفترق المشروع الثقافي عن غيره من المشاريع (الاستثمارية الصناعية أو السكنية مثلا) بأن أحد الشروط الأساسية لنجاح الثانية هي قصر المدة لاستعادة رأس المال والشروع في مرحلة الربحية الصافية ( ثلاث إلى خمس سنوات في غالبية المشاريع) بينما تحتاج المشاريع الثقافية إلى جهد تراكمي طويل الأمد لانجازها يتأثر بالأوضاع العامة ومناحي التغير الثقافي والفكري بشكل كبير وتبقى في غالب الأحيان بدون ريعية مادية مباشرة تضمن دوامها . فعل سبيل المثال هوجم صلحي الوادي مرارا وبمزايدة ممجوجة من قبل بعض مدعي الثقافة والمعرفة بالموسيقى (وربما بعض المغرضين أيضا) لأن الفرقة السيمفونية السورية تضم عددا من الأجانب (الأساتذة الروس في المعهد الموسيقي العالي أساسا) نسي هؤلاء (أو تناسوا) بأن الزمن اللازم للتأهيل الأساسي لأي موسيقي تقارب العشرين عاما (من سن الخامسة تقريبا ولغاية التخرج من معاهد الموسيقى العالية) من غير اختصاص ولا فترة ممارسة وتدريب كافيين للانخراط في فرقة سيمفونية لائقة تستطيع عزف متوسط الصعوبة من الأعمال ، فما بالك بمراكمة حوالي ثمانين عازفا بمستوى مقبول مع عدد من العازفين الأوائل لمختلف فئات الآلات بمستوى أكثر تميزا؟؟ لذا كانت (وما زالت) مشاركة الأساتذة والخبراء في فرقتنا السيمفونية وفقا للحاجة هو أمر ضروري، منطقي، ومألوف ( مشاركة الأجانب في الفرق السيمفونية العالمية هو أمر شائع و طبيعي) . أعتقد بصراحة أن تحقيق تأسيس المعهد العربي الموسيقى (معهد صلحي الوادي حاليا) ، ومن ثم المعهد العالي للموسيقى وتأسيس الفرقة الوطنية السيمفونية وافتتاح دار الأسد لثقافة والفنون وإقامة نشاطات موسيقية جادة خارجية وداخلية وتخريج أعداد هامة من الموسيقيين المحترفين تابع عدد منهم بنجاح مميز دراساته التخصصية والعليا في الخارج وابتدأ هؤلاء في رفد وتوسيع مجال الحركة الموسيقية السورية ، إن كل ذلك إن هو إلا ظواهر لطفرة موسيقية/ ثقافية تحققت في وقت قصير نسبيا.
• لم يرغب صلحي الوادي في حياته على الإطلاق بأن يصور كبطل هذا المشروع المفرد (بالرغم من أن وعيه لاعتقاد معظم جمهوره ببطولته لا بد وأن يكون قد دغدغ مشاعر الأنا لديه!) العمل الموسيقي بطبيعته هو عمل جماعي يناقض الفردية ويحترمها في آن واحد (العلاقة بين العازف المنفرد والأوركسترا في مقطوعات الكونشرتو) لذا يجب عدم إغفال الشركاء في هذا المقام. في مقدمة الشركاء باعتقادي الموسيقية الفذة عازفة البيانو الأستاذة سينثيا الوادي زوجة الراحل. بالرغم من تسليط كافة الأضواء على زوجها عملت سينثيا بدأب يوازي عمل زوجها كمدرسة متميزة لآلة البيانو تتلمذت على يديها مجموعة هامة من عازفي البيانو السوريين المعروفين (من أولهم الدكتور غزوان الزركلي ). ولكن الأهم من ذلك هو الجو الحضاري الخاص الذي أضفته هذه السيدة الفاضلة على مؤسسات ثقافية سورية حكومية (معهد صلحي الوادي والمعهد الموسيقي العالي) تشكو معظم مثيلاتها من الفوضى، انعدام الجاذبية والإهمال المديد على أقل تقدير. يكفي الدخول إلى المعهد العالي الموسيقي لتتمتع وتعجب بجمال النباتات واللوحات والصور المختارة بعناية، والنظافة الفائقة،و لتشعر براحة الانتماء للمكان قبل أن تصلك أصوات الآلات الموسيقية عزفا و تدريبا (تصور الكثير من المسلسلات التلفازية في المعهد العالي الموسيقي لعكس صورة غير شائعة عن مؤسساتنا الثقافية، كما يصور العديد من مسلسلات أخرى بمشاهد طبية في مستشفى الأسد الجامعي لغايات مماثلة!!) . الشريك الأساسي الآخر البالغ الأهمية في إحداث ما أسميه بالطفرة الموسيقية السورية هي مجموعة الأساتذة والخبراء السوفييت /الروس ، وهنا لا بد من التذكير بمهارة قائد هذا المشروع الثقافي صلحي الوادي بما يملكه من مؤهلات علمية، لغوية، وشخصية في تفعيل و الاستفادة من الاتفاقيات الثقافية مع الاتحاد السوفييتي (وربما روسيا لاحقا) وتفعيلها باستقدام عدد هام من أفضل أساتذة وموسيقيي الاتحاد السوفيتي والاعتماد عليهم بشكل كبير جدا، بداية لتعليم الموسيقى بدئا بالأطفال وانتهاء بتدريس وتدريب طلاب المعهد العالي الموسيقي . ضمت هذه المجموعة التي عملت بتفان وفعالية كبيرة بقيادة صلحي الوادي عددا من فناني الشعب السوفييت (عبد اللاييف عازف الشيلو المميز على سبيل المثال) وعملت على الارتفاع بمستوى التعليم الموسيقي لآفاق جديدة لم يكن بإمكان الأساتذة السوريين تحقيقها لندرتهم في ذلك الوقت (ناهيك عن الصعوبات الإدارية /القانونية للتعاقد بشكل لائق مع السوريين متميزي الكفاءة).
• وعى صلحي الوادي بوضوح شديد الفجوة (وربما الهوة) بين ما وصلت إليه الموسيقى الغربية من تطور كبير وبين موسيقانا التي راوحت بالرغم من عظمة روادها التاريخيين في مكانها منذ زمن طويل (كان يصفها دائما بوحيدة اللحن Monotonous ) بحيث اقتصر الاهتمام بها أو كاد بالباحثين التاريخيين من المهتمين بتوثيق وجودها منعا للاندثار فيما عدا قلة من الراغبين والقادرين على التطوير المستنير.أثير ويثار الكثير من اللغط حول موقف صلحي الوادي من الموسيقى العربية ، هنا لا بد من التفريق بين موقفين، الذاتي والعام، وقد اضطر للتوفيق بينهما كما سأجتهد في التقدير، فبالرغم من الجذور الموسيقية العربية المتأصلة في شخصية الوادي والمزروعة في عقله الباطن منذ الصغر عبر بيئة نشوءه ، لم يكن صلحي الوادي محبا أو معجبا بالموسيقى العربية بشكلها الحالي السائد، فقد كان يعي توقفها عن التطور لقرون عديدة تقدمت فيها موسيقى الغرب الجادة بشكل كبير. من جهة أخرى فان استهواءه الفطري للأصول الموسيقية العربية (ينعكس ذلك بوضوح في العديد من مؤلفاته)، وإعجابه ببعض المؤلفين العرب المعاصرين له (المصري أبو بكر خيرت عل سبيل المثال) حرضه على تفعيل ومحاولة تطوير هذه الموسيقى بالعمل الأكاديمي كمرحلة أولى ، فاستقدم بعض الخبراء لتدريس آلات كالعود والقانون من جمهوريات الاتحاد السوفيتي الجنوبية (أذربيجان على سبيل المثال) وأدخل الموسيقى العربية في مناهج المعهد العالي الموسيقي بشكل مناسب. أعتقد أن الخبراء الموسيقيين هؤلاء(إضافة إلى عملهم الدءوب في تدريس وتطوير قواعد أكاديمية لتعليم الموسيقى العربية وآلاتها) أتاحوا له مخرجا مؤقتا مناسبا على الصعيد العام ، إذ إن حرص صلحي الوادي على تقديم بعض المؤلفات الموسيقية المطورة لمؤلفين من هذه البلدان تشارك بها آلات موسيقية شرقية ( العود، القانون، البزق ) في حفلات الفرقة الوطنية السيمفونية مستعرضا نماذج لإصلاح وتطوير الموسيقى الشرقية (أو العربية) كما يراها، جنبه ذلك بعضا من الضغوط التي كان يتعرض لها متهما من غير وجه حق بإهمال الموسيقى العربية بدليل بروز عدد هام من الموسيقيين السوريين من خريجي المعهد العالي للموسيقي في كافة محافل الموسيقى العربية وتميزهم ، وتأسيس وذيوع صيت مؤلفات عدد من الفرق الموسيقية الجادة التي تقدم موسيقى عربية أصيلة و/أو مطورة. على كل حال لم يرغب صلحي الوادي باصطناع تحديث الموسيقى العربية كما فعل بعض أشباه المعماريين بإقحام استخدام بعض الأقواس على تصميماتهم لإعطائها هوية عربية مفقودة، ولكنه اعتقد جازما بأن تطوير موسيقانا العربية لا يمكن أن يتم إلا بتطوير بنيتها الأساسية وهذا عمل لا يمكن القيام به إلا من قبل من درس الموسيقى العالمية (إضافة للعربية) وتابع تطورها مطلعا على تجارب الآخرين من متقدمينا في هذا المجال، وتجربة صلحي الوادي في مؤلفاته ذات الروح الشرقية توضح ذلك بشكل جلي، وخير مثال على ذلك هو مؤلفه ذائع الصيت الذي بناه على لحن "حياتي أنت" للموسيقي العربي الشهير والمجدد في حينه "محمد عبد الوهاب" حيث استخدم صلحي قالب السوناتا و البوليفونية في مؤلفه مستغلا بحذق كافة اللامكانات الصوتية لآلات الفرقة السيمفونية . إن اعتماد صلحي الوادي على آلة الشيلو (غير العربية) لأداء اللحن الأساسي مفردا في البداية والنهاية في هذه المقطوعة أضفى روحا شرقية حزينة أصيلة عليها مما لم يكن من الممكن تحقيقه بافتراض استخدام القانون أو العود لتلك المقاطع . للأسف، لا يتوفر حتى الآن في الأسواق أية تسجيلات احترافية لهذه القطعة أو غيرها من مؤلفات صلحي الوادي بالرغم من صيته الذائع. لا شك وأنه كان يتمنى وجمهوره سماع تسجيلات لائقة لموسيقاه، يبدو أن غيابه المفاجئ عن الساحة الموسيقية وإهمالنا كمتذوقين ومهتمين وأصحاب مناصب ثقافية عامة حال دون ذلك !! ومع ذلك سجلت بعض القطع التي ألفها أو وزعها صلحي الوادي تسجيلا شبه احترافي في استوديوهات التلفيزيون السوري وغيره، أذكر منها قطعة جميلة للغيتار والأوركسترا ذات روح شرقية أصيلة أعاد صلحي الوادي توزيعها أوركيستراليا بناء على مقطوعة "أستوريوس" التي كتبها المؤلف الاسباني ذائع الصيت "ألبينيز" Albeniz لآلة البيانو . نأمل أن تجمع هذه التسجيلات وتوثق وتحفظ قبل أن يطويها الاهمال ومن ثم النسيان.
• لا شك بأن شخصية صلحي الوادي لم تكن بعيدة عن الوصف بالسلطوية المستنيرة! وبالتالي كان في علاقته مع السلطات الناظمة لنشاطه كوزارة الثقافة وغيرها كثير من الندية . أهله عمله الدءوب ووضوح رؤيته المستقبلية لحيازة ثقة واحترام وزيرة ثقافة منفتحة الفكر ومتنورة و الحصول على دعم وتشجيع كبيرين لمشروعه الثقافي من قبل أرفع المقامات في الدولة . لقد فتح كل ذلك الأبواب أمام صلحي الوادي لينضج و مشروعه النهضوي الموسيقي ، وتجاوز هذا المشروع الهام بقوته التي أصبحت ذاتية لحد كبير عقبات مؤقتة مر بها (ربما كثمن لنجاحه) ، ولكن لا شك بأن بعض هذه العقبات المتأخرة في مرحلة اكتمال شباب المشروع ، و اضطرار صلحي الوادي إلى خوض معركة وجود دفاعا عن مؤسساته اليانعة للحفاظ على زخم تقدم مشروعه في مواجهة مع دخلاء يحملون رؤية ثقافية مغايرة، كل ذلك تسبب له بأذى شخصي بليغ تجلى علنا بسقوطه الدراماتيكي المفاجئ مساء السابع والعشرون من نيسان عام 2002 على أرض مسرح قاعة المؤتمرات الكبرى الخشبية في إيبلا تحت سمع وبصر الآلاف من المنصتين بخشوع لما كان يقدمه من فن رفيع، شهيدا لمشروعه النهضوي، وقائدا لأوركستراه للمرة الأخيرة في أداء كونشيرتو البيانو الثالث لبيتهوفن . غاب عنا صلحي منذ ذالك الحين ولكنه للغرابة ازداد نفوذا وهو صامت من على كرسيه النقال معتكفا منزله. نعم لقد ازداد قوة ونفوذا بهدير تميز وكفاءة أجيال من خريجي المعهد العالي الموسيقي و أعضاء الفرقة السيمفونية السورية والموسيقيين والموسيقيات ومغني الأوبرا وقادة الأوركسترا السوريين والسوريات ممن أحبوه وشاركوه في بناء مشروعه، وكذلك عبر نشاطات موسيقية محلية متنوعة وعديدة و مؤسسات فنية هامة كان له دور كبير في العمل على إحداثها كدار الأسد للثقافة والفنون (الأوبرا) وغيرها .
إن الترجل الأخير لدون كيخوتة الموسيقى السوري عن كرسيه النقال إلى مقر جثمانه الأبدي في يوم بدت فيه السماء مكفهرة حمراء تعتصر دمعتها الخريفية الأولى لم يكن إلا تذكرة جديدة بأهمية الحفاظ على طفرة حضارية موسيقية سورية قامت بقيادته، ووجوب الاستمرار بتنميتها وتطويرها بتقديم الرعاية اللازمة لتصبح مستدامة. هنا لا بد لي من نقل مشهد كان له بالغ الأثر في نفسي ، بالطبع لم تكن الدموع عزيزة على الكثر ممن ودعوا جثمانه، ولكن رؤية مدير معهد "غوتة" الثقافي الألماني "لولاي" يذرف الدمع علنا بالقرب من قبره لم يكن بالأمر العصي عن الفهم للذين عرفوا الوادي (وهو منهم).
ولكن !! ما هو الوضع الحالي للطفرة الموسيقية كما سميناها؟ أعتقد جازما بأنها تحولت من وضع الطفرة لتدخل مرحلة الداروينية معتمدة " البقاء للأصلح " أساسا لتطورها المتسع دوما والمتعمق. ترعى هذه الحركة الموسيقية الآن أعداد كبيرة من خريجي المعاهد الموسيقية وجحافل من متذوقي الموسيقى الجادة والمهتمين بتطورها ( ليس من قبيل الصدفة أن تؤسس جمعيات ثقافية موسيقية سورية تحاول المساعدة في تأمين هذه الرعاية بالمساندة والنقد ) . رحل صلحي الوادي عن الحركة الموسيقية منذ سنوات ولكن طلائع مطوري الحركة الموسيقية السورية الجادة التي أسس لها أصبحت جلية للعيان يقودها موسيقيون على درجات عالية وأحيانا متميزة من الموهبة والعلم والكفاءة أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر ميساك بغبادوريان ، أثيل حمدان، كنان العظمة، غزوان الزركلي، زيد جبري، عصام رافع، لبانة قنطار ، نائل حلبي ، ماريا أرنأووط ، بسام نشواتي، ديما أورشو ، ضياء السكري ، نجمي السكري، وليد الحجار ، وغيرهم العشرات من المؤلفين والعازفين وقادة الأوركسترا يجوب بعضهم العالم فرادا وجماعات برعاية أو بدونها معرفين بوجه آخر حديث أصيل من وجوه حضارتنا وبلغة يفهمها الجميع. كل ذلك يتم بدعم معقول (ولكنه يفتقر للمنهجية حتى الآن) من قيادة مستنيرة لهذا المشروع الثقافي الكبير،إذ مازالت الدولة تعمل جاهدة لتأمين احتياجاته المتنامية بتسارع بقدر الإمكان (دار الأسد لثقافة والفنون ، المعاهد الموسيقية، وغيرها).
نعم لم يعد المجال يتيح ظهور دون كيخوتية موسيقية جديدة، إذ أستطاع صلحي الوادي أن يقهر طواحينا حقيقية ووهمية أيضا، معبدا الطريق لمن بعده، ولكن !! من يدري ؟؟
تشرين أول – 2007
بشار العظمة / رئيس مجلس ادارة جمعية "صدى" الثقافية الموسيقية














